تمرد فى بيتى بقلم منى السيد الجزء الاول

وطويل كأنه سنة… البنات ناموا، وعادل نام في الصالة قدام التلفزيون، وأنا فضلت صاحية عيني ما داقتش النوم. كنت بسمع صوت دقات قلبي وأنا بفكر في الخطوة الجاية. الاستسلام للموقف ده معناه إني هدوس على نفسي أكتر، والمرة الجاية مريم ممكن تمد إيدها عليا وتطردني برضا أبوها. لأ، أنا لازم أغير طريقتي تمامًا… مادام هو شايف إنه يقدر يدبر البيت ويلبي رغباتهم من غير ۏجع قلبي، يبقى يشيل بقى!
تاني يوم الصبح، عادل صحي ودخل الحمام وخرج لقى الصالة هادية، والترابيزة فاضية، ومفيش ريحة شاي ولا فول ولا طعمية زي ما كان متعود يلاقي أول ما يفتح عينه. دخل المطبخ لقاني قاعدة بشرب فنجان شاي لوحدي وجنى جنبي بتاكل حتة جبنة بلقمة عيش ناشف.
وقف على باب المطبخ وقال بنبرة مستغربة هو مفيش فطار ولا إيه يا وفاء؟ مريم وسلمى قربوا يصحوا عشان الدروس.
بصيت له ببرود تام، حطيت فنجان الشاي على الرخامة وقلت له مفيش أكل يا عادل… الأكل خلص امبارح، ومفيش في التلاجة غير شوية حاجات متصلحش غير للنكد اللي أنا بعمله، فمن هنا ورايح، إنت الأب الحنين، وإنت اللي بتعرف توكلهم الحاجة اللي تعجبهم… انزل هاتي لهم فطار من برة.
عادل اټصدم من ردي… وشه احمر وابتدت ملامحه تتوتر، وقال إنتي بتهزري؟ أنا هنزل اشتري فطار لده كله؟ ومنين يا هانم والقبض لسه مجاش؟
ابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي كان بيبتسملهالي معرفش… اتصرف زي ما اتصرفت امبارح وطلعت الخمسين جنيه عشان تطلب بيتزا وسندوتشات بطاطس سوري… ما البنات مبيحبوش الأكل اللي مش على مزاجهم، وقولتلي ما تاكلوش، يبقى اتصرف ودلعهم.
مريم صحيت على الصوت، وخرجت بشعرها المنكوش وهي متأففة إيه يا بابا ده، فين الفطار؟ أنا عندي درس فيزياء كمان ساعة ولازم أنزل شبعانة عشان أركز!
عادل فرك في دماغه وبص لمريم، ولقيته بيمد إيده في جيبه، طلع عشرين جنيه، وقال لها خدي هاتي بيهم أي سندوتشين فول وطعمية من تحت لحد ما أقبض.
مريم بصت للفلوس بقرف، كأنها بتشوف حشرة، وقالت بنفس الأسلوب اللي هو عودها عليه إيه ده يا بابا؟ عشرين جنيه هتعمل إيه؟ أنا مباكلش فول وطعمية من الشارع أصلاً، بيعملولي حموضة! هاتلي خمسين جنيه أجيب باتيه ومشروب طاقة من السوبرماركت.
عادل اتعصب، وصوته علي لأول مرة عليها هو إيه اللي خمسين جنيه؟ إنتي فاكرة الفلوس بتنزل عليا من السما؟ خدي العشرين وامشي بيها يومك!
مريم زقت إيده بالفلوس، زي ما زقت طبق القرنبيط بتاعي بالظبط امبارح، وقالت بصوت عالي مش واخدة! ومش رايحة الدرس! وبلاش امتحانات أصلاً طالما أنتم مش قادرين تصرفوا عليا! ورزعت باب أوضتها ودخلت.
عادل وقف متنح، باصص للفلوس اللي وقعت على الأرض، وشه اتقلب ألوان… بصيت له من ورا باب المطبخ وقولتله ببرود ها يا عادل؟ حسيت بحاجة؟ ولا لسه؟ الطبق اللي اتزق امبارح بالأكل، النهاردة إيدك بتترزع والفلوس بتترمي… وبكرة الدور على كرامتك كلها.
عادل صړخ فيا انتي السبب! انتي اللي بتزرعي السواد ده بيني وبين عيالي! انتي شمتانة فيا يا وفاء؟
قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه بنظرة قوة عمري ما بصتلهاله قبل كده لأ يا عادل… أنا مش شمتانة، أنا بفوقك قبل ما تقع في حفرة مش هتعرف تطلع منها. إنت ربيتهم إن أي كلمة متتقالهمش لأ، وعلمتهم إن أمهم اللي بتدبر وتوفر هي العدوة، وإنت البطل اللي بتصرف… وريني بقى هتعمل إيه لما البطل ده محفظته تفضى وعياله
يطالبوه بالكماليات اللي عودهم عليها؟
عادل سكت، وشه كان بيعرق رغم الجو مكانش حر، ساب الشقة ونزل من غير ما يقول كلمة واحدة، ورزع باب الشقة وراه برزعة هزت الحيطان.
قعدت مكاني، وأنا عارفة إن دي كانت مجرد أول شرارة… المعركة لسه مبدأتش. مريم وسلمى قفلوا على نفسهم الأوضة، ومكنوش بيتكلموا معايا، كانوا متخيلين إنهم بيعاقبوني بسكوتهم وإضرابهم عن الكلام، ومكنوش فاهمين إني بطلت أحرق دمي عشان ناس مش مقدرة. ركزت مع جنى، عملتلها شعرها، وقعدت أذاكرلها وضحكنا، وعملت غدا بسيط على قدنا أنا وهي بس… شوية مكرونة محمرة وطماطمتين متقطعين، وأكلنا وشبعنا وحمدنا ربنا.
الساعة دقت سبعة بالليل، وعادل رجع… بس مكنش لوحده. أول ما المفتاح لف في الباب واتفتح، لقيت حماتي داخلة وراه، لابسة عبايتها وطرحتها السودة، وشايلة شنطة بلاستيك تقيلة، ووراها عادل باصص في الأرض وعينيه تايهة.
حماتي وقفت في نص الصالة، بصت في أرجاء الشقة، وبعدين رمت الشنطة على الترابيزة وبصتلي بنظرة كلها لوم وعتاب حاد، وقالت بصوتها الرنان اللي سمّع العمارة كلها جرى إيه يا وفاء؟ هي وصلت بيكي تطردي الراجل من بيته على لقمة، وتسيبي بناته من غير فطار ولا غدا وتشتكي له من العيشة؟ ده أنتم عشتوا في خيره طول عمركم، ولا هو ناكر الجميل ملوش أمان؟!
الباب بتاع أوضة مريم اتفتح على وسعه، ومريم خرجت تجري وترمي نفسها في حضڼ ستها وتبكي بدموع التماسيح شوفتي يا تيتة؟ شوفتي ماما بتعمل فينا إيه وبتعامل بابا إزاي؟!
وقفت قدامهم، وقلبي بيدق بسرعة، بس المرة دي مش خوف… المرة دي كان ڠضب وۏجع ملوش آخر، وأنا شايفة المؤامرة اللي عادل حب يحيكها عليا عشان يكسر شوكتي ويجيب أمه تحاسبني في بيتي.
بصيت لحماتي، وبعدين بصيت لعادل اللي كان واقف وراها مستخبي، وقولت لنفسي الحساب تقل أوي يا عادل… والمرة دي مش هسكت.
قلت لحماتي بنبرة ثابته خلت الكل يتسمر مكانه أهلاً يا حماتي… كويس إنك جيتي، عشان اللي عادل مقالوش ليكي، أنا هقولهولك بالصوت العالي قدامهم كلهم…
يتبع
