الساعة كانت تلاتة ونص

الساعة كانت ٢٣٠ بعد نص الليل، لما أمي، اللي عندها ٧١ سنة، اتصلت بيا من القسم وهي مرعوبة وجسمها كله كدمات.
قالتلي وهي بتعيط
جوزك ضربني يا بنتي… وبعدها هو اللي اتصل بالشرطة وقال إني هددته!
جوزي، اللي طول ١٥ سنة جواز الناس كلها شايفاه راجل مثالي ومحترم، قال للشرطة إنه كان بيدافع عن نفسه، وإن أمي هي اللي هاجمته وهي ماسكة أداة حديد تقيلة من بتوع المدفأة.
أنا ما صرختش.
ما عيطتش.
بس أخدت مفاتيح عربيتي واتجهت على القسم…
وأنا معايا حقيقة واحدة مستحيل كان يتوقع إنها موجودة، حقيقة لو ظهرت، كانت كفيلة إنها تهد كل الصورة المثالية اللي بناها عن نفسه في سنين.
الساعة كانت ٢٣٤ الفجر، في ليلة صيف خانقة، وأنا خارجة من شغلي في منطقة عسكرية في القاهرة، بعد يوم شغل طويل خلاني حاسة إن جسمي كله متكسر.
كنت راجعة بعد نوبة خدمة استمرت تقريبًا ٢٤ ساعة.
القهوة اللي في إيدي كانت بردت من زمان، كتافي كانوا تقال كأن فوقهم جبل، وكل اللي كان نفسي فيه إني أوصل البيت، آخد دش، وأنام لحد الضهر.
وفجأة…
الموبايل رن.
بصيت للشاشة.
اسم أمي ظهر قدامي.
أمي نوال.
اتجمدت مكاني.
أمي عمرها ما كانت بتتصل بيا في الوقت ده.
رديت فورًا
ألو؟ ماما؟ في إيه؟
ثواني طويلة عدت من غير ما أسمع غير صوت نفسها المتقطع.
وبعدين سمعتها.
صوت ضعيف ومخنوق، لدرجة إني في الأول ما عرفتش صوتها.
جوزك جه عندي البيت النهارده بالليل… وضربني يا بنتي.
حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
إيه؟!
كملت وهي بتشهق من العياط
وبعد ما ضربني، هو اللي اتصل بالشرطة وقال إني أنا اللي هجمت عليه… وقال لهم إني هددته!
فضلت واقفة مكاني مش قادرة أتحرك.
إيدي ارتخت، ومفاتيح العربية وقعت مني على الأرض بصوت عالي.
أمي عندها ٧١ سنة.
ست عايشة لوحدها من سنين، ومصممة تعتمد على نفسها في كل حاجة.
بيتها بسيط وهادي في ضواحي القاهرة، وكانت كل صباح تصحى بدري تسقي الزرع اللي بتحبه، ومرتين في الأسبوع بتروح دار الكتب كمتطوعة تساعد الناس في القراءة وتنظيم الكتب.
أمي كانت منظمة بشكل يخليها تفتكر أصغر التفاصيل.
حتى أعياد ميلاد قرايبنا عمرها ما كانت بتنساها.
أما جوزي، حازم الشافعي…
فكان عامل لنفسه صورة قدام الناس تخلي آخر شخص ممكن حد يشك فيه هو إنه ممكن يأذي ست كبيرة.
كان دايمًا يساعد الجيران الكبار في السن يشيلوا حاجاتهم.
يتبرع في حملات خيرية.
يقف جنب الناس في المناسبات.
ويفتكر أسماء كل اللي حواليه، ويبتسم في كل صورة عائلية كأنه أحن راجل في الدنيا.
إحنا متجوزين بقالنا ١٥ سنة.
خمستاشر سنة وأنا عايشة معاه، وعمري ما تخيلت إن في يوم هسمع أمي بتقول لي إن الراجل ده ضربها.
بلعت ريقي بالعافية وسألتها
ماما، إنتِ فين دلوقتي؟
أنا في القسم…
صوتها كان بيرتعش.
حازم قال للضباط إنه كان بيدافع عن نفسه.
سكت لحظة، وبعدين قالت
هما لسه بيسألوني من ساعة ما جيت، وعايزيني أشرح لهم كل اللي حصل.
قلبي كان بيخبط بعنف، بس سنين الخدمة والانضباط علمتني إني مهما حصل ما أسيبش الخوف يبان في صوتي.
قلت لها بحزم
ماما، اسمعيني كويس. ما تمضيش على أي ورقة. ولا تعملي أي أقوال رسمية قبل ما المحامي يشوفها.
وبعدين سألتها
حد كشف عليكي؟
ردت بصوت مكسور
لسه…
قلت فورًا
طالبي بكشف طبي حالًا. ما تستنيش دقيقة. أنا جاية لك دلوقتي.
قفلت المكالمة.
فضلت واقفة وسط المكان الفاضي، والحر خانق حواليا، بس أنا ما كنتش حاسة بحرارة الجو أصلًا.
كل حاجة جوا دماغي كانت بتجري بسرعة جنونية.
إزاي؟
إزاي الراجل اللي عشت معاه ١٥ سنة ممكن يعمل كده؟
إزاي حازم، الراجل اللي الناس كلها بتقول عليه محترم وطيب، يروح بيت أمي في نص الليل ويضربها؟
وليه أصلًا راح لها؟
إيه اللي حصل بينهم؟
وإيه اللي كان بيدور عليه في بيتها؟
وفجأة، وسط كل الأسئلة دي، افتكرت حاجة واحدة…
حاجة صغيرة جدًا، حصلت قبل كام يوم، وما ادتلهاش أي أهمية وقتها.
لكن دلوقتي…
كانت كفيلة إنها تغيّر كل حاجة.
بصيت للموبايل في إيدي.
وبعدين بصيت ناحية عربيتي.
وقلت لنفسي بهدوء
لو اللي في دماغي صح… حازم مش هيكون بس متهم بضرب أمي.
هيكون داخل في مصيبة أكبر بكتير.
وركبت العربية واتحركت ناحية القسم.
وأنا لأول مرة في حياتي…
ما كنتش رايحة أنقذ جوزي من ورطة.
كنت رايحة أعرف الحقيقة اللي كان بيحاول يدفنها.
لما وصلت القسم، كنت متوقعة أشوف أمي منهارة.
لكن اللي شوفته كان أسوأ.
كانت قاعدة على كرسي في آخر طرقة، إيديها فيها كدمات واضحة، وشفتها متورمة، وعلى جنب رقبتها علامة حمراء كأن حد كان ماسكها بعنف.
أول ما شافتني، حاولت تقوم.
جريت عليها ومسكت إيديها.
ماما…
بصتلي في عيني، وقالت بهدوء غريب
ما تخافيش عليا. أنا كويسة.
بصيت للكدمات اللي على وشها.
كويسة إزاي؟!
قبل ما ترد، خرج ضابط من أوضة التحقيق.
كان اسمه المقدم سامح.
بصلي وقال
حضرتك بنت الست؟
أيوه.
لازم تعرفي إن زوجك هو اللي اتصل بالقسم بنفسه. وقال إن والدتك هاجمته بأداة حديد، وإنه حاول يمنعها من إصابته.
بصيت لأمي.
فين الأداة؟
المقدم سامح سكت لحظة.
موجودة في البيت.
عليها بصماته؟
رفع حاجبه.
لسه الفحص الجنائي ما خلصش.
سألته
وحازم فين؟
في أوضة تانية، وبيصر على نفس الكلام.
في اللحظة دي سمعت صوته.
هادئ.
ثابت.
وكأنه بيتكلم عن خناقة حصلت بين جيرانه مش عن أم مراته اللي اتضربت.
أنا والله ما كنت عايز أوصلها لكده.
لفيت وبصيت عليه.
حازم كان واقف عند باب الأوضة.
قميصه متقطع من ناحية الكتف، وعلى

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *