يوم الخميس

له طويلًا، وبعدها سألته
لما بنتك رجعتلك أول مرة فاقدة الوعي، كنت عارف إنها أخدت حاجة؟
سكت.
لما شفت الكدمات، كنت عارف إن فيه حاجة غلط؟
نزل عينيه.
أيوه.
ولما منعتني أروح المستشفى، كنت خايف على بنتك ولا على نفسك؟
بدأ يبكي.
كنت خايف من الفضيحة… ومن الديون… ومن كل حاجة.
هزيت راسي ببطء.
وأنا كنت خايفة على بنتي. الفرق بيني وبينك إن خوفي خلاني أحميها، وخوفك خلاك تسيبها في الخطر.
قال بصوت مكسور
اديني فرصة أصلح اللي عملته.
بصيت له وقلت
فيه حاجات ممكن تتصلح، لكن فيه حاجات لما بتكسرها بإيدك، ما ينفعش تطلب من الشخص اللي اتأذى إنه يرجعها زي الأول. إنت ما خسرتش ثقتي بس يا أحمد. إنت خليت بنتك تخاف من أبوها.
ما قدرتش أكمل.
قمت وخرجت.
ما حسيتش بالانتصار.
حسيت بالحزن على بيت كنت فاكرة إنه آمن، وعلى طفلة كانت محتاجة تحس إن أبوها هو أول شخص يحميها، مش آخر شخص ممكن تلجأ له.
لكن رغم كل ده، كنت عارفة إن خروجي من الغرفة كان أول خطوة حقيقية في حياتي الجديدة.
مرت شهور من التحقيقات والإجراءات القانونية.
اتجمعت الأدلة الطبية، والتسجيلات، والمستندات المالية، وأقوال الشهود، وظهرت صلة واضحة بين نادين والبرنامج غير المرخص، وبين أحمد ومحمود والزيارات المتكررة.
وفي النهاية، صدر الحكم بعد محاكمة اتعرضت فيها الأدلة واتسمع فيها دفاع المتهمين.
أُدين أحمد ومحمود ونادين في الجرائم اللي ثبتت مسؤولية كل واحد منهم عنها، وصدر بحقهم أحكام بالسجن، مع اختلاف المسؤوليات والعقوبات بحسب دور كل شخص وما ثبت عليه.
أما الشركة، فاتخذت الجهات المختصة إجراءات لإيقاف نشاطها المخالف، وبدأت مراجعة الملفات المرتبطة بالأطفال الآخرين، عشان يتواصلوا مع أسرهم ويتأكدوا من سلامتهم.
ما كانتش كل التفاصيل سهلة، ولا كل الأسر عرفت الحقيقة بسرعة، لكن القضية ما اتقفلتش على اعتراف واحد أو تسجيل واحد.
اتقفلت بعد ما الأدلة اتجمعت، وكل شخص اتحاسب على اللي ثبت إنه عمله.
وبالنسبة لي، كان أهم خبر سمعته في اليوم ده إن الأطفال اللي أمكن تحديد هويتهم وصلوا لأسرهم، وإن فيه أسر بدأت تتابع حالتهم طبيًا.
لأول مرة من شهور، قدرت أنام من غير ما أصحى مفزوعة على صوت عربية بتقف قدام البيت كل خميس.
بعد ما خرجت من بيت أحمد، استأجرت شقة صغيرة قريبة من مدرسة ملك.
ما كانش فيها أثاث كتير، ولا ديكورات غالية، ولا حتى غرفة واسعة زي أوضتها القديمة.
لكن كان فيها حاجة ما كنتش حاسة بيها من سنين.
الأمان.
بدأت ملك تتعافى بالتدريج، تحت متابعة الأطباء، ومع جلسات دعم نفسي مناسبة لسنها.
في الأول، كانت بتخاف من أي مشروب حد يقدمهولها، وكانت تسألني كل مرة
ماما، إنتِ متأكدة إن ده مش هيخليني أنام غصب عني؟
كنت بقعد جنبها، وأوريها العبوة، وأشرح لها بهدوء إنها من حقها تسأل، وإن مفيش حد له الحق يديها دواء من غير ما يكون فيه سبب طبي واضح وموافقة ولي أمرها.
ما ضغطتش عليها تنسى.
وما طلبتش منها تسامح.
كنت بس بساعدها تستعيد إحساسها إنها طفلة، مش حد لازم يفضل مستعد للخطر طول الوقت.
وفي يوم، بعد حوالي ست شهور من بداية الحكاية، رجعت من المدرسة وهي بتجري ناحيتي.
كانت شايلة رسمة ملونة.
فيها بيت صغير، وشمس كبيرة، وطفلة ماسكة إيد ست.
وتحت الرسمة كتبت، بخطها اللي لسه بيتعلم
ماما بتحميني.
، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
قالت لي باستغراب
إنتِ بتعيطي ليه يا ماما؟ دي رسمة حلوة أهو!
ضحكت وسط دموعي وقلت
عشان حلوة أوي يا حبيبتي.
حطت إيديها الصغيرتين على وشي، ومسحت دموعي.
وبعدين سألتني
هو بابا هييجي ياخدني يوم الخميس؟
السؤال رجعني لأول يوم، لأول مرة محمود دخل فيها البيت وهو شايلها، ولأول مرة أحمد قال لي فيها إني ببالغ.
لكن المرة دي، ما كذبتش عليها، وما وعدتهاش بحاجة مش مضمونة.
قلت لها بهدوء
فيه حاجات الكبار لازم يتحملوا مسؤوليتها يا ملك. وإنتِ مش مسؤولة عن أي حاجة حصلت. ومش مطلوب منك تشوفي حد أو تسامحي حد عشان ترضي أي شخص. لما تكبري شوية، هنتكلم عن كل حاجة بالقدر اللي يناسبك. ودلوقتي، أهم حاجة عندي إنك تبقي آمنة ومبسوطة.
فكرت لحظة، وبعدين ابتسمت.
طب ينفع نعمل بيتزا النهارده؟
ضحكت وقلت
ينفع طبعًا، بس هتساعديني في العجين.
جريت على المطبخ وهي بتضحك.
وقفت أراقبها، ولأول مرة من وقت طويل، ضحكتها ما كانتش بتتبعها أسئلة مرعبة في دماغي.
بعد سنة كاملة، كنت واقفة قدام باب المدرسة، مستنية ملك تخرج.
لما شافتني، جريت ناحيتي وهي بتلوّح بشهادة صغيرة أخدتها في مسابقة الرسم.
قالت بحماس
ماما! أنا رسمت بيتنا الجديد، والمدرسة قالت لي إن رسمتي أحلى رسمة!
أخدت الورقة منها، ولقيت إنها رسمت نفس البيت الصغير، لكن المرة دي كان فيه شباك مفتوح، وزهور قدام الباب، وطفلة واقفة في الجنينة بتضحك.
سألتها
هو ليه مفيش حد تاني في الرسمة غيرنا يا ملك؟
بصت لي ببراءة وقالت
عشان ده بيتنا يا ماما. واللي يحبنا بجد، لازم يخلينا نحس إننا آمنين.
ما عرفت أرد.
، وفضلت واقفة معاها لحد ما ضحكت وقالت لي إنها جعانة.
في اللحظة دي، فهمت إن الحقيقة اللي اكتشفتها في التسجيل ما كانتش نهاية حكايتي.
كانت بداية أصعب قرار أخدته في حياتي إني أختار بنتي، حتى لو الاختيار ده معناه إني أخسر جوازي، وبيتي القديم، والصورة اللي كنت راسماها لعيلتي.
أحمد خسر حريته بسبب أفعاله، ومحمود ونادين اتحاسبوا على
أدوارهم، أما أنا فما رجعتش لحياتي القديمة، وما حاولتش أرجّعها.
بنيت حياة جديدة، واحدة ما اضطرش فيها أجادل حد عشان يصدق إن بنتي بتتألم، ولا أستأذن حد عشان أحميها.
وفي آخر يوم في السنة الدراسية، علّقت رسمة ملك على الحيطة في الصالة.
وتحتها كتبت جملة واحدة
البيت مش المكان اللي بنرجع له كل يوم… البيت هو المكان اللي نكون فيه آمنين، حتى وإحنا خايفين.
وبكده، انتهت حكاية أيام الخميس اللي كانت بترجع فيها بنتي فاقدة الوعي.
لكن الحقيقة اللي اتعلمتها عمرها ما هتخلص
مش كل شخص بيحمل لقب الأب أو العم يستحق ثقة الطفل من غير حدود، ومش كل مرة أم تقلق فيها على بنتها تكون بتبالغ.
أحيانًا، إحساس الأم بيكون أول إنذار، والتصرف في الوقت المناسب هو اللي بيفرق بين سر يفضل مستخبي، وحقيقة تنقذ حياة.
النهاية.

