الضرة المجهولة حكايات منى السيد الجزء الثالث

يمس سمعة أبوها.
وصلت بيت نسمة في مصر الجديدة على الساعة تسعة بالليل. فيلا قديمة بطابع فخم، وجواها راجل وقور في أواخر الستينات، الأستاذ شريف عبد الرحمن، رجل أعمال قديم وشعره أبيض كله، وقاعد وراه محامي العيلة، أستاذ فريد.

أول ما نسمة حطت الأوراق قدام أبوها وفتحت الاسبيكر على التسجيلات اللي معايا، الراجل وشه احمرّ وعروق رقبته نفرت، وفضل يدوس على سنانه بغيظ مكتوم: — «الحيوان ده… النصاب الصعلوك ده كان بيخطط يلهف الترخيص بتاعي ويورط اسمي في غسيل وتوظيف أموال بعد ما يشفط سيولتك وسيولة بنتي؟!» المحامي فريد اتدخل بهدوء الصياد العجوز: — «اهدا يا شريف بيه، العصبية مش هتفيدنا. ربنا بيحبك وبيحب مدام داليا إن المستندات دي كلها بانت قبل ما عقود الجمعية العمومية والشهر العقاري تتوثق بكرة الضهر. إحنا قانوناً ماسكينه من إيده اللي بتوجعه.» بصيت لأستاذ فريد وقولت بثبات: — «أنا مش عايزه يتحبس بس يا متر… الحبس لوحده مبيبردش الڼار ومبيرجعش الشقا. أنا عايزة حقي يرجع كامل مكمل، شقتي تتفك من الرهن، والفلوس اللي اتسحبت ترجع بفوائدها، وتمن السنين دي يتدفع كاش.» أستاذ فريد ابتسم ابتسامة خبيثة: — «سيبيهالي دي يا مدام داليا. الباشا كاتب إقرارات استلام نقدية وشيكات ضمان مبدئية لشريف بيه بخصوص الحصص الاستثمارية بتاعة الشركة، وكاتب على نفسه كمبيالات بنكية مغلظة عشان يثبت حسن نيته. إحنا هنقلب الطاولة عليه في ثانية واحدة.»

اتفقنا على الخطة بالمللي، خطة مفيهاش غلطة ولا ثغرة قانونية واحدة يقدر يفلت منها.

تاني يوم الصبح، الساعة حداشر بالتمام، كان الميعاد المحدد لتوقيع العقود النهائية في برج إداري فخم في شيراتون، المكتب اللي أحمد كان مأجره عشان يكون مقر شركة «فيرتكس».

أحمد كان واصل قبلينا بنص ساعة، لابس بدلته الكحلي السموكنج، البرفان بتاعه فايح في الطرقة كلها، حاطط قدامه على ترابيزة الاجتماعات أقلام ماركة وشيكات متستفة، وقاعد بيهز رجله بنشوة المنتصر اللي خلاص حط رجله في نادي الملايين.

الباب اتفتح. دخل شريف بيه الأول بهيبته، ووراه أستاذ فريد المحامي ماسك شنطة جلد سودا تقيلة. أحمد وقف بسرعة، وابتسامته العريضة مالية وشه، ومد إيده يسلّم بحرارة: — «أهلاً يا شريف بيه! نورت شركتك يا باشا، والله العظيم اليوم ده مستنيه من سنين، خطوة تاريخية في السوق المالي المصري!» شريف بيه مدش إيده، واكتفى بنظرة باردة وهو بيقعد على راس الترابيزة: — «اقعد يا أحمد. فين نسمة؟ مش ميعادها معاك برضه عشان توقّع كشريك مؤسس؟» أحمد اتلخبط من النظرة الناشفة، بس بلعها وقال: — «زمانها في الطريق يا فندم، تلاقي السكة زحمة بس. على ما توصل نكون راجعنا بنود العقد المبدئي.» الباب اتفتح تاني خبطة واحدة. دخلت نسمة. لابسة نضارة شمس سودة، قالعتها ودخلت قعدت قصاده من غير ما تبصله ولا ترمي السلام. أحمد استغرب، وقرب منها خطوة وبصوت واطي: — «مالك يا روحي؟ وشك ماله؟ متأخرة ليه والقاعة تحت بتستنى توقيعنا؟» نسمة ماردتش. بصت ناحية الباب المفتوح، وشاورت بإيدها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *